ثمار الإيمان بالاسم الجليل
الجمع بين الخشية والرجاء: -
من علم أنه تعالى هو ”الوَاسِع” رحمة وعلمًا وقدرة، جمع بين الخشية والرجاء، فكان بالخوف والرجاء في عموم أوقاته وأحواله، فقد بيَّن الله ذلك في كثير من آياته؛ فرحمته وسعت كل شيء وهو شديد العقاب، وهو الغفور الرحيم .
التوسعة على العباد: - وما دام الله يعطي العبد ويوسع عليه ويحسن إليه، فعلى العبد أن يوسع على العباد، وأن يعطيَهم على قدر كرم الله تعالى له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جوادا كريما، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
سعة رحمة الله ومغفرته: ربنا هو ”الوَاسِع” ومن سمات وسعه ((رحمته –سبحانه وتعالى -)) ولذا فلا ينبغي للمؤمن أن يُضيّق على العباد رحمة الله ومغفرته التي وسعت كل شيء؛ لأنّه لا يعلم بِمَ سيُختم لهم، والله عليم بذلك، وإلاّ وقع في شرّ التألّي عليه -سبحانه- روى مسلم عَنْ جُنْدَبٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلّى الله عليه وسلّم-حَدَّثَ: “أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ! وَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ“.
دوام التوبة وتكرارها وعدم اليأس من رحمة الله وسعة مغفرته:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:222]. فالتواب هو من يرجع إلى الله جل جلاله عن الذنب في كل مرَّة، ويُقلع عنه، ويعزم ألا يعود إليه، وهو نادم مستغفر لله على ذلك الذنب؛ يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها: ((يا عائشة، إن كنتِ ألممْتِ بذنب فاستغفري الله، فإن التوبة من الذنب: الندم والاستغفار)).
حب البذل والعطاء والكرم ونبذ البخل والشح: -
إدراك العبد لمعنى هذا الاسم الجليل بصورة صحيحة، والعيش في ظلاله والتخلق به، يحبب إليه البذل والعطاء والكرم ونبذ البخل والشح؛ لأن الله تعالى الوَاسِع” كثير العطاء، سيخلفه فيما ينفق وسيعوضه ويزيده من فضله وكرمه، فخزائنه لا تنفد، وجوده لا ينقطع، وعطاياه لا تتوقف؛ فهو القائل: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]، فكل نعمة تزيد بالشكر والثناء والرضا عن الله، وهو القائل جَلَّ وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾[البقرة: 261]
تعرف العبد على قدر ربه وسعة ملكه؛ فيحذر معصيته ويرجو رحمته
فمن يتأمل قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:115]، يجد الآية صريحة في أنه أينما ولَّى العبد من حضر أو سفر، في صلاة أو غير صلاة - فثَمَّ وجه الله، ويدل سياق الآية على أن المقصود منها بيان عظمة الرب تعالى وسعته، وأنه أكبر من كل شيء وأعظم منه، وأنه محيط بالعالم العلوي والسفلي، فذكر في أول الآية إحاطة ملكه في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، فنبهنا بذلك على ملكه لما بينهما، ثم ذكر عظمته سبحانه، وأنه أكبر وأعظم من كل شيء، فأينما وَلَّى العبد وجهه فثَمَّ وجه الله، ثم ختم باسمين دالَّين على العظمة والإحاطة؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾، فذكر اسمه الواسع عقيب قوله ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ كالتفسير والبيان والتقرير له؛ [انظر: الأسماء والصفات للبيهقي]
أن يُعَظِّم العبد ربَّه في قلبه وفي كل تصرفاته،
فلا يتصرف تصرفًا لا يليق بذاته، فمن علم أنه تعالى هو ”الوَاسِع” رحمة وعلمًا وقدرة، جمع بين الخشية والرجاء، فكان بالخوف والرجاء في عموم أوقاته وأحواله، فقد بيَّن الله ذلك في كثير من آياته؛ فرحمته وسعت كل شيء وهو شديد العقاب، وهو الغفور الرحيم وعذابه الجد بالكفار ملحِق، وما دام الله يعطي العبد ويوسع عليه ويحسن إليه، فعلى العبد أن يوسع على العباد، وأن يعطيَهم على قدر كرم الله تعالى له، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الأجودين وأكرم الأكرمين، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولم يكن عطاؤه مالًا أو طعامًا أو لباسًا فحسب، ولكنه كان دائم البِشْرِ والحفاوة بمن يقدُم عليه، وكان لا يضيق بضيوفه، بل يلقاهم ويستمع إليهم حتى لو أطالوا ومكثوا عنده وقتًا طويلًا، صلوات ربي وسلامه عليه..
الله سبحانه وتعالى واسع في علمه، واسع في حكمته، فلو كان ماء البحر مداداً للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمته، وآياته وعلمه وشرعه وقدره، لنفد ماء البحر قبل أن تنفد ما عند الله من علم وحكمة وآيات، ولو مددنا البحر بمثل ما فيه، كما قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾[الكهف: ١٠٩]، وقال سبحانه وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان: ٢٧].
أي لو أن أشجار الأرض كانت أقلاما، والبحار مداداً، وسبعة بحار مثلها مداداً، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات في الله، لنفدت البحار وتكسرت الأقلام، ولم تنفد كلمات الله جل شأنه.
"الوَاسِع" معناه الكثير مقدوراته ومعلوماته.
الله ﴿وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فهو سبحانه واسع العطاء، كثير الأفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وجوده وفضله، يعطى من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
وقد ذكر الله اعتراض بنو إسرائيل على نبيهم حين قال لهم: ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوَاْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، أي كيف يكون له الملك وليس من سبط النبوة ولا الملك، ونحن أحق بالملك منه، ثم هو ليس من الأغنياء أصحاب الأموال والسعة في الرزق ليفضل علينا، فرد عليهم نبيهم عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ أي: أن الله سبحانه قد زاده بسطة وسعة في العلم والجسم، وهما خير من الملك والمال، ثم ذكرهم بأنه مختار من قبل الله سبحانه ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
فقوله تعالى: ﴿وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: والله واسع بفضله فينعم به على من أحب، ويريد به من يشاء، عليم بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به. [جامع البيان ٢/ ٣٨١].
تقدم قول القرطبي في الواسع أنه الذي يوسع على عباده في دينهم، ولا يكلفهم ما ليس في وسعهم.
ومصداق ذلك من كتاب الله قوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥].
وقوله تعالى:لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا [البقرة: ٢٣٣]، وقوله سبحانه: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقوله جل جلاله: ﴿يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، وقال صلى الله عليه وسلم: ((إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ...)).
فكل ما كلفنا الله سبحانه به من العبادات والشرائع هو مما تطيقه النفوس على وجه العموم، ثم خفف الله عن المريض والمسافر، والمسن والفقير، والمرأة والصغير، وغيرهم من أصحاب الأعذار، كل ذلك تخفيفاً وتوسعة على عباده، ورفعاً للضيق والحرج عنهم.
واضرب على ذلك مثالاً مناسباً لما نسمعه هذه الأيام من اتجاه الغرب لإباحة الطلاق بعد أن حرموه على أنفسهم وضيقوا ما وسع الله عليهم.
قال الله تعالى في كتابه العزيز عن الزوجين: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٣٠]، قال ابن جرير: يغنى الله الزوج والمرأة المطلقة من سعة فضله، أما هذه فبزوج هو أصلح لها من المطلق الأول، أو برزق واسع وعصمة، وأما هذا فبرزق واسع وزوجة هي أصلح له من المطلقة أو عفة، ﴿وَكَانَ اللهُ وَاسِعًا﴾ يعني: وكان الله واسعاً لهما في رزقه إياهما وغيرهما من خلقه، حكيماً فيما قضى بينه وبينها من الفرقة والطلاق، وسائر المعاني التي عرفناها من الحكم بينهما في هذه الآيات وغيرها، وفي ذلك من أحكامه وتدبيره وقضاياه في خلقه اهـ. [جامع البيان ٥/ ٢٠٤]، وبنحوه [ابن كثير ١/ ٥٦٤]
أن الله واسع المغفرة. ومن سعة مغفرته أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه، قال عز من قائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [لزمر: ٥٣]، وقال حمله العرش عن ربهم تبارك وتعالى ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: ٧] [النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى لمحمد بن حمد الحمود– ص: ٣٨٦]
ومنها: أنّ الله إذا وعد العبد شيئا من الأجور والثواب؛ كمضاعفته أجور الطاعات والعبادات والقربات من صلاة وصيام وذكر وقراء للقرآن وجهاد في سبيله، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، والصدقة والانفاق، ومحاسن الاخلاق وغير ذلك، فينبغي له أن لا يستبعد ذلك، فالله هو الواسع -سبحانه- وحدّث ولا حرج عن سعة رحمته وفضله بعباده في الآخرة, وقد سأل موسى ربه ما أدنى أهل الجنة منزلة قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة, فيقول: أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا, فيقول: رضيت رب, فيقول: لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله, فقال في الخامسة: رضيت رب, فيقول: هذا لك وعشرة أمثاله, ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك, فيقول: رضيت رب, قال: رب فأعلاهم منزلة, قال: أولئك الذين أردت, غرست كرامتهم بيدي, وختمت عليها, فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر, قال: ومصداقه في كتاب الله -عز وجل: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ [ص: 177]
ومنها: لا ينبغي للمؤمن أن يُضيّق على العباد رحمة الله ومغفرته التي وسعت كل شيء؛ لأنّه لا يعلم بِمَ سيُختم لهم، والله عليم بذلك، وإلاّ وقع في شرّ التألّي عليه -سبحانه- فَعنْ جُنْدَبٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثَ: "أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ! وَإِنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ؟ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ".
التعبد لله تعالى باسمه "الوَاسِع" يفتح بابًا واسعًا من الأمل والرجاء عندما تغلق أبواب الرزق، وعندما تشتد الكروب، ويوسوس الشيطان في الصدر، ويعد بالشر ويبث اليأس، لأن المؤمن حينما يتذكر سعة رحمة الله تعالى وفضله وقدرته وحكمته، فإن سحب اليأس والضيق تنقشع حيث أن ضد الضيق السعة، والسعة من المعاني الأساسية لاسمه سبحانه "الوَاسِع"، قال الله –عز وجل - ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور:٣٢]
التعبد لله تعالى باسمه "الوَاسِع" يرد وساوس الشيطان وإيعاده بالشر والفقر والبخل وعدم إنفاق المال في محاب الله تعالى، فإذا علم العبد سعة رزق الله وخزائنه التي لا تنفد، كان هذا العلم واليقين دافعًا لهذه الوساوس، ودافعًا إلى الجود في سبيل الله – عز وجل – رجاء رحمته وثوابه، قال الله – عز وجل -: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
عدم القنوط من رحمة الله تعالى ومغفرته، وذلك حينما تزل القدم ويقع العبد في المعصية، فيتذكر العبد اسمه سبحانه "الوَاسِع"، وأنه (واسع المغفرة) فحينئذ يسري الرجاء في القلب ولا يكون للشيطان مجال في التقنيط من رحمة الله تعالى الذي يوقع العبد في معصية الله تعالى ثم يُقَنِّطه؛ قال سبحانه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨].
خامسًا: الاغتباط بشريعة الله – عز وجل – التي وسعت كل خير ووسع الله – عز وجل – فيها على عباده ولم يجعل فيها ضيقًا ولا حرجًا، والفرح بالهداية إليها، والأخذ بأسباب الثبات عليها، والدعوة إليها، والجهاد في سبيل نشرها وإيصالها للمحرومين منها. قال الله – عز وجل -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وقال سبحانه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وقال – عز وجل -: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]
التخلق بهذه الصفة الكريمة بما يناسب قدرة الإنسان وحدوده، وذلك بأن يسعى المؤمن بأن يكون واسع الخلق، واسع الصدر موسعًا – بإذن الله تعالى – على عباد الله – عز وجل – بما يقدر عليه من مال، أو جاه، أو علم فيسعهم بخلقه وأدبه، ويبذل جهده في التوسعة على المصابين منهم في ماله أو نفسه، فيعين محتاجًا ويواسي مكروبًا، وييسر على معسر واضعًا نصب عينيه قوله صلى الله عليه وسلم: ((من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة))، وقوله صلى الله عليه وسلم ((إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق((
اسم الله "الوَاسِع"، يفتح للعبد أبواب الرجاء كلما ضاقت عليه الأمور، ويعطيه آمالاً كبيرة عندما تواجهه المصائب والعقبات وتوصد عليه الأبواب، ولا يبقى له باب إلا باب الله الواسع، الذي بيده مقاليد كل شيء سبحانه وتعالى، فيعظم الرجاء والأمل فيما عند الله تعالى، فعطاؤه لا حدود له، وكرمه لا نهاية له، ورحمته وسعت كل شيء، ولا يعجزه سبحانه أن يفتح على العبد فتوحات من غير أن يحتسب، ويمنحه عطايا فوق التصور والخيال، فمهما ضاقت عليك الدُّنيا فالواسع - عز وجل - يحتويك بسعة عطائه ومَنِّه ومغفرته.
سعة مغفرته - تعالى - تحتوي كلَّ مَنْ تاب وأناب مهما بلغت خطاياه؛﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32]
إثبات ما يتضمنه اسم الله "الوَاسِع" من الصفات، ودلالته على التوحيد الله عز وجل هو الواسع، واسع القدرة، وواسع الملك، وواسع العلم، وواسع المغفرة، وواسع الرحمة، وواسع الرزق، وواسع الفضل والإحسان، وواسع في شرعه وحكمه، وواسع في نعيمه للمؤمنين في الآخرة، يقول تَعَالَى:﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:115]، وسعته سُبْحَانَهُ لا حد لتعلقاتها؛ إذ هو الواسع المطلق جل جلاله.
بيان سعته فيما سبق يتضح من خلال ما يلي:
الله تَعَالَى واسع في قدرته، قدرته التي شملت كل شيء، فلا يقف أمامها شيء، ومن ثم لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:44].
ومن تأمَّل في عظم خلق الله علم قدرته، ومن ذلك خلقه للملائكة، وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن جبريل عليه السلام أن له ستمائة جناح؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «الرُّوحُ الأَمِينُ جِبْرِيلُ عليه السلام لَهُ سِتمائِةُ جَنَاحٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، قَدْ نَشَرَهَا مِثْلَ رِيشِ الطَّوَاوِيسِ»
وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رَأَيْتُ جِبْرِيلَ عليه السلام مهبطًا، قَدْ مَلَأ مَا بَيْنَ الخَافِقَيْنِ، عَلَيْهِ ثِيَابُ سُنْدُسٍ، مُعَلَّقٌ بِهَا اللُّؤْلُؤُ وَاليَاقُوتُ»
الله تَعَالَى واسع في ملكه وعظم سلطانه، فلا يخرج شيء عنه، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255]، وقال:﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: 28]، ومن دلائل ذلك، قوله تَعَالَى:﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: 255].
وهذا يدل على كمال عظمته وسعة سلطانه، إذا كان هذه حالة الكرسي أنه يسع السماوات والأرض على عظمتهما وعظمة من فيهما، والكرسي ليس أكبر مخلوقات الله تَعَالَى، بل هنا ما هو أعظم منه وهو العرش، وما لا يعلمه إلا هو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ فِي الكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ فَلَاةٍ، وَفَضْلُ العَرْشِ عَلَى الكُرْسِيِّ كَفَضْلِ الفَلَاةِ عَلَى تِلْكَ الحَلْقَةِ»
«وفي عظمة هذه المخلوقات تحير الأفكار وتكل الأبصار، وتقلقل الجبال وتكع عنها فُحولُ الرجال، فكيف بعظمة خالقها ومبدعها، والذي أودع فيها من الحكم والأسرار ما أودع، والذي قد أمسك السماوات والأرض أن تزولا من غير تعب ولا نصب»
- سعة علم الواسع:
الله تَعَالَى واسع في علمه، شامل محيط لا يندُّ عنه شيء في الزمان ولا المكان، ولا الأرض ولا السماء، ولا البر ولا البحر، فسواء عنده ما كان في جوف الأرض أو طباق الجو، لا يخفاه علم حي أو ميت، يابس أو رطب، يقول سُبْحَانَهُ:﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: 89]، ويقول تَعَالَى أيضًا:﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].
- سعة مغفرة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في مغفرته وعفوه، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: 32]«فلولا مغفرته لهلكت البلاد والعباد، ولولا عفوه وحلمه لسقطت السماء على الأرض، ولما ترك على ظهرها من دابة»
وسعت مغفرته ذنوب العباد، فمهما عظمت فإن عفو الله ومغفرته أوسع وأعظم، قال سُبْحَانَهُ:﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: 53].
- سعة رحمة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في رحمته، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 156]، وقال حملة العرش في دعائهم لربهم:﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: 7] «من العالم العلوي والسفلي، البر والفاجر، المؤمن والكافر، فلا مخلوق إلا وقد وصلت إليه رحمة الله، وغمره فضله وإحسانه، ولكن الرحمة الخاصة المقتضية لسعادة الدنيا والآخرة، ليست لكل أحد، ولهذا قال عنها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف: 156] المعاصي، صغارها وكبارها
- سعة رزق الواسع:
الله وسع الخلائق برحمته التي كان من آثارها: سعة الخلائق بالرزق، فتكفل الله سُبْحَانَهُ بأرزاق الخلائق، صغيرهم وكبيرهم، بحريهم وبريهم، جليلهم وحقيرهم، فلا يخرج أحد عن رزقه كائنًا من كان، قال تَعَالَى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6]، ويقول تَعَالَى:﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
- سعة فضل الواسع وإحسانه:
الله تَعَالَى واسع الفضل، وسع الخلائق بفضله وجوده، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [يونس: 60]، وقال:﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251]، وليس لهذا الفضل والجود والكرم والإحسان حد و لا غاية، فلا يحد بطريق معين، بل ولا بطرق معينة، فأسباب فضله وأبواب إحسانه لا نهاية لها، فلا يزال كريما محسنًا متفضلًا على عباده، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: 74].
- سعة شريعة الواسع:
الله تَعَالَى واسع في تشريعه وحكمه، فالشريعة التي أنزلها الله واسعة كافية كاملة، تفي بكل حاجات العباد، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3].
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، «قوله:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وهو الإسلام، أخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنه أكمل لهم الإيمان، فلا يحتاجون إلى زيادة أبدًا، وقد أتمه الله فلا ينقصه أبدًا، وقد رضيه الله فلا يسخطه أبدًا»
ومن مظاهر سعتها:
أن الله وسع فيها على عباده، فلم يكلفهم ما ليس في وسعهم وطاقتهم، جعل لهم من كل ضيق مخرجًا، ومن كل حرج يسرًا، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]، وقال سُبْحَانَهُ:﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6]، أي: مشقة وعسر، بل يسره غاية التيسير، وسهله بغاية السهولة، كما قال:﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
- سعة نعيم الواسع في الأخرة:
الله واسع فيما أعد لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فكل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى:﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] فلا يعلم أحد عظمة ما أخفى الله لهم في الجنات من النعيم المقيم، واللذات التي لم يطلع على مثلها أحد، كما قال تَعَالَى على لسان رسوله: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»
وأوضح الله لنا سعة ما فيها من النعيم، فقال:﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71] «وهذا لفظ جامع، يأتي على كل نعيم وفرح، وقرة عين، وسرور قلب، فكل ما اشتهته النفوس، من مطاعم، ومشارب، وملابس، ومناكح، ولذته العيون، من مناظر حسنة، وأشجار محدقة ومبان مزخرفة، فإنه حاصل فيها، معد لأهلها، على أكمل الوجوه وأفضلها».
وما ذكر من سعة "الوَاسِع" عز وجل إنما هو غيض من فيضه الواسع سُبْحَانَهُ، وما يمكن لعبد مخلوق أن يكتب فيها وقد وسع كل شيء رحمة وعلمًا!
فالله "الوَاسِع" دائم بلا انتهاء عز شأنه وتقدست أسماؤه.
وإذا تقرر لدى العبد عظمة سعة الواسع وشمولها لصفاته كلها؛ تيقن أن العبادة لا تليق ولا تحسن إلا به عز وجل الرب "الوَاسِع" الذي له الكمال كله، والمجد كله، والحمد كله، والقدرة كلها، والكبرياء كلها، لا بالمخلوقات المدبرات الناقصات الصم البكم الذين لا يعقلون
وكما أن اسم الله "الوَاسِع" دال على الربوبية والألوهية، فكذا هو دال على الأسماء والصفات؛ إذ يدل على اسم الله «ذو الجلال والإكرام» ، و «القدير» ، و (الكريم)، و (الرحيم) إلى غير ذلك من أسمائه سُبْحَانَهُ وما فيها من صفات.
محبة الله "الوَاسِع":
إن المسلم إذا تأمَّل هذا الاسم الجليل لله تَعَالَى، لا بد أن تأسر قلبه محبة الله، وتزداد تمكُّنًا من سويدائه.
فهو تَعَالَى واسع في رحمته، واسع في مغفرته، واسع في علمه، واسع في جميع صفاته، فلا يجد العاقل بُدًّا من حب هذا الإله الجميل الجليل جل في علاه؛ مما يثمر الإقبال على طاعته، والبحث عما يرضيه ويحبه، وهذا هو طريق الفلاح في الدنيا والآخرة؛ فإن المحب ساع ولا بد في إرضاء محبوبه.
سؤال الله نعيم الجنة الواسع:
إن من آثار اسم الله «الوَاسِع» سُبْحَانَهُ ما أعده لعباده الموحدين، مما احتوت عليه دار النعيم من الخيرات والمسرات والأفراح واللذات المتتابعات، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخير الدنيا والآخرة وألطافها من فضله وسعته وجميع الأسباب والطرق المفضية إلى الراحات والخيرات، كلها من فضله.
تفكر في آيات الله تَعَالَى، وهو يتحدث عن النعيم الذي أعده لعباده المتقين ووسع به على أحبابه المؤمنين:﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف: 71].
فكل ما تشتهيهه الأنفس في جنة الله «الوَاسِع» من «المشارب، والمآكل والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس، والخدم إلى غير ذلك.
أما المآكل: فقد قال تَعَالَى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [الزخرف: 73]، وقال:﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 21]، وقال تَعَالَى:﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ ، وقال تَعَالَى:﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: 25]، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما المشارب، فقد قال تَعَالَى:﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 5 - 6].
وقال تَعَالَى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ [الإنسان: 17 - 18].
وقوله تَعَالَى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: 17 - 19].
وقال تَعَالَى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: 45 - 47].
وقال تَعَالَى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [محمد: 15].
إلى غير ذلك من الآيات.
وأما الفرش: فانظر إلى ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، في آيات كثيرة، كقوله تَعَالَى:﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54].
وقوله تَعَالَى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: 56].
وقوله تَعَالَى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ [الواقعة: 15 - 16].
والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب» [أضواء البيان، للشنقيطي (7/ 143 – 144]
يقول الطاهر ابن عاشور رحمه الله: «﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]، أي: لا تبلغ نفس من أهل الدنيا معرفة ما أعد الله لهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» [التحرير والتنوير، لابن عاشور (21/ 229 - 230]
فدل على أن المراد بـ «نفس» في هذه الآية أصحاب النفوس البشرية.
فإن مدركات العقول منتهية إلى ما تدركه الأبصار من المرئيات من الجمال والزينة، وما تدركه الأسماع من محاسن الأقوال ومحامدها ومحاسن النغمات، وإلى ما تبلغ إليه المتخيلات من هيئات يركبها الخيال، من مجموع ما يعهده من المرئيات والمسموعات، مثل الأنهار من عسل أو خمر أو لبن، ومثل القصور والقباب من اللؤلؤ، ومثل الأشجار من زبرجد، والأزهار من ياقوت، وتراب من مسك وعنبر، فكل ذلك قليل في جانب ما أعد لهم في الجنة من هذه الموصوفات.
ويعقد لنا الشيخ السعدي رحمه الله مقارنة سريعة بين الدنيا والآخرة؛ ليحث العباد إلى السعي؛ لتحصيل ما أعده الواسع لخلقه من النعيم في الآخرة:
«فكيف إذا وازنت بين الدنيا والآخرة، وأن الآخرة خير منها، في ذاتها، ولذاتها وزمانها، فذاتها- كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه- أنَّ مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، ولذاتها صافية عن المكدرات، بل كل ما خطر بالبال أو دار في الفكر من تصور لذة، فلذة الجنة فوق ذلك، كما قال تَعَالَى:﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17]، وقال الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم: «أَعْدَدْتُ لِعَبادي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»
وأما لذات الدنيا فإنها مشوبة بأنواع التنغيص، الذي لو قوبل بين لذاتها وما يقترن بها من أنواع الآلام والهموم والغموم، لم يكن لذلك نسبة بوجه من الوجوه.
وأما زمانها، فإن الدنيا منقضية، وعمر الإنسان بالنسبة إلى الدنيا شيء يسير، وأما الآخرة فإنها دائمة النعيم وأهلها خالدون فيها، فإذا فكَّر العاقل في هاتين الدارين وتصور حقيقتهما حق التصور؛ عرف ما هو أحق بالإيثار، والسعي له والاجتهاد لطلبه»
الدعاء باسمه الواسع
من دعاء حَمَلَة العرش للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر: 7]